
أكد الدكتور محمد عبد الوهاب، المحلل الاقتصادي والمستشار المالي، أن المؤشرات الأولية لموازنة العام المالي 2026-2027 تكشف عن تحول واضح في فلسفة إدارة المالية العامة للدولة، مشيراً إلى أن الموازنة الجديدة تعكس ما يُعرف اقتصادياً بـ إعادة التوجيه الاستراتيجي للموارد (Fiscal Realignment)، من خلال إعطاء أولوية قصوى للاستثمار في الإنسان باعتباره المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي طويل الأجل.
وأوضح عبد الوهاب أن الزيادات التي تضمنتها الموازنة—وعلى رأسها رفع مخصصات قطاع الصحة بنحو 30%، والتعليم بنسبة 20%، وتخصيص 836 مليار جنيه للحماية الاجتماعية—لا تمثل مجرد استجابة لاعتبارات اجتماعية أو ضغوط اقتصادية آنية، وإنما تعكس توجهاً هيكلياً نحو الاستثمار في رأس المال البشري كأحد أهم ركائز تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحقيق التنمية المستدامة.
وأضاف أن قراءة الموازنة من منظور اقتصادي حديث تؤكد أن نجاحها لن يُقاس بحجم المخصصات المالية وحدها، وإنما بمدى كفاءة تخصيص الموارد (Allocative Efficiency) وقدرة الدولة على توجيه الإنفاق نحو القطاعات والبرامج الأكثر تأثيراً على النمو والإنتاجية.

الشراء الموحد: نموذج متقدم للإدارة المالية الحديثة
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن من أبرز المؤشرات الإيجابية في الموازنة ارتفاع مخصصات دعم العلاج والتأمين الصحي الشامل بنسبة 89%، إلى جانب تخصيص 90.5 مليار جنيه لمنظومة الشراء الموحد، معتبراً أن هذا البند يمثل أحد أهم التحولات الجوهرية في إدارة الإنفاق الحكومي.
«تعد منظومة الشراء الموحد نموذجاً متقدماً للإدارة المالية الحديثة، إذ تعتمد على تحقيق أفضل قيمة مقابل الإنفاق (Value for Money) عبر توحيد عمليات الشراء الحكومي، وتقليل الهدر، والاستفادة من وفورات الحجم (Economies of Scale)، مما ينعكس إيجاباً على رفع كفاءة الإنفاق العام وتعزيز الاستدامة المالية».- د. محمد عبد الوهاب
وأضاف أن هذه الخطوة تسهم بفاعلية في ترشيد الإنفاق دون المساس بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين، لا سيما في القطاعات الحيوية المرتبطة بصحة المواطن.
موازنة البرامج والأداء.. من العبء التمويلي إلى دفع الإنتاجية
وأكد عبد الوهاب أن التحدي الأكبر أمام السياسة المالية خلال المرحلة المقبلة يتمثل في تحويل التوسع في الإنفاق الاجتماعي من مجرد عبء تمويلي على كاهل الموازنة إلى محرك حقيقي للإنتاجية (Productivity Driver) يدعم الاقتصاد الكلي ويعزز معدلات النمو.
وأوضح أن تحقيق هذا الهدف يتطلب الإسراع في تطبيق موازنة البرامج والأداء (Outcome-Based Budgeting)، بحيث يتم تقييم نجاح الإنفاق الحكومي وفقاً للنتائج الاقتصادية والاجتماعية المتحققة على أرض الواقع، وليس بناءً على حجم الاعتمادات المالية الممنوحة فقط.
واختتم عبد الوهاب بالإشارة إلى أن هذا النهج يمثل الضمان الحقيقي لتعظيم الأثر المضاعف (Multiplier Effect) للإنفاق العام، وزيادة كفاءة استخدام الموارد، وخلق قيمة اقتصادية مستدامة، فضلاً عن بناء مرونة أكبر لمواجهة الضغوط التضخمية وتعزيز الاستقرار المالي. مشيداً بوضع وزارة المالية إطاراً طموحاً يوازن بين تعزيز الحماية الاجتماعية والحفاظ على الانضباط المالي في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بقدر كبير من التحديات وعدم اليقين.




