
أكد المهندس هيثم منصور، الرئيس التنفيذي لشركة “تحوت للاستشارات” ومستشار التطوير المؤسسي وريادة الأعمال، أن عدداً كبيراً من المؤسسات في مصر والمنطقة يقع في فخ ما وصفه بـ “وهم التحول الرقمي”، عبر إنفاق ملايين الجنيهات على أنظمة وبرمجيات حديثة دون إجراء تغيير حقيقي في الهيكل الإداري أو نموذج التشغيل.
وأوضح منصور أن “الكثير من الشركات تعتقد خطأً أن شراء أحدث أنظمة الـ ERP أو الحلول التكنولوجية يعني بالضرورة تحولها رقمياً، بينما الحقيقة أنها تظل شركة تقليدية لكنها تستخدم برمجيات باهظة الثمن”.
«تخيل أنك تملك سيارة متهالكة وقررت تزويدها بمحرك «فيراري».. بمجرد الضغط على دواسة الوقود ستتفكك السيارة بالكامل. هذا بالضبط ما يحدث عند إقحام تكنولوجيا حديثة داخل هيكل إداري بيروقراطي متهالك».
جاء ذلك خلال انطلاق الحلقة الأولى من برنامج «الشفرة» (الموسم الأول)، الذي يقدمه المهندس هيثم منصور عبر منصات التواصل الاجتماعي، بهدف تقديم رؤية تنفيذية حديثة حول التحول المؤسسي، وريادة الأعمال، واستراتيجيات إدارة الشركات في العصر الرقمي. ويركز البرنامج على تفكيك المفاهيم الإدارية التقليدية، وتحليل النماذج العالمية الناجحة والمتعثرة، مستنداً إلى خبرات عملية من الأسواق المصرية، الخليجية، والأوروبية.
الفارق بين الرقمنة.. الميكنة والتحول الرقمي
أشار منصور إلى وجود خلط كبير داخل المؤسسات بين ثلاثة مفاهيم أساسية:
- الرقمنة: مجرد تحويل المعاملات الورقية إلى شاشات رقمية.
- الميكنة: تسريع الإجراءات الحالية باستخدام التكنولوجيا دون تغيير جوهرها.
- التحول الرقمي الحقيقي: إعادة بناء نموذج العمل بالكامل ليكون قائماً على التكنولوجيا والبيانات كركيزة أساسية.
وأضاف: «التحول الرقمي الحقيقي يتطلب هدم نموذج العمل القديم من جذوره وإعادة هندسته؛ بحيث تصبح البيانات هي المحرك الرئيسي للقرارات، وليس الأشخاص أو الإجراءات الروتينية».
درس قاسي من «جنرال إلكتريك» (GE)
واستشهد منصور بشركة General Electric العملاقة كنموذج عالمي يجسد خطورة التعامل الخاطئ مع التحول الرقمي؛ حيث أنفقت الشركة مليارات الدولارات عام 2015 على مشروع GE Digital للتحول إلى واحدة من أكبر شركات البرمجيات الصناعية، إلا أن المبادرة واجهت تعثراً كبيراً.
وعلّق منصور قائلاً: «حاولت GE زراعة ثقافة (Agile) المرنة والسريعة داخل هيكل إداري صناعي بيروقراطي. غيروا الأدوات ولم يغيروا العقلية المؤسسية، فكانت النتيجة ما أسميه بـ الرفض المناعي المؤسسي، حيث لفظت بيئة العمل التكنولوجيا لأنها غريبة عن ثقافتها الحقيقية».
معضلة الشركات العائلية في مصر والخليج
أكد منصور أن هذه المشكلة تتكرر بوضوح في عدد من الشركات العائلية والمؤسسات الكبرى في مصر والسعودية، والتي تستثمر مبالغ ضخمة في الأنظمة التكنولوجية دون تطوير حقيقي لآليات الحوكمة وسرعة اتخاذ القرار.
«المشكلة ليست في النظام التكنولوجي (The System)، بل في محاولة تطبيق أدوات مبنية على أفضل الممارسات العالمية داخل بيئة تشغيل لا تزال مكبلة بالمركزية والروتين والبطء».
وحذر من أن أخطر ما يمكن أن تواجهه المؤسسات هو “ميكنة البيروقراطية”، والتي تعني ببساطة تحويل الروتين الورقي إلى روتين رقمي دون تحقيق أي قيمة مضافة.
السؤال الذي يجب أن يطرحه كل رئيس تنفيذي
واختتم المهندس هيثم منصور حديثه بالإشارة إلى أن السؤال الجوهري الذي يجب أن يطرحه أي رئيس تنفيذي أو مستثمر اليوم ليس: «ما هو أحدث نظام تكنولوجي في السوق؟»، بل:
«كيف أعيد تصميم المؤسسة بالكامل لتتحرك بنفس سرعة التكنولوجيا؟ وكيف أجعل البيانات هي القائد الفعلي للقرار بدلاً من الهياكل التقليدية؟».




